تحليل: خطة الهجرة الجديدة تُهدد جودة الحياة في كندا

لم يكن من الصعب فهم الرسالة التي أرادت الحكومة الليبرالية إيصالها للكنديين بشأن استراتيجيتها الجديدة للهجرة، والتي كُشف عنها في ميزانية يوم الثلاثاء.
جاءت الرسالة واضحة: النوعية أهم من الكمية، وقال وزير المالية فرانسوا-فيليب شامبين في مؤتمره الصحفي قبل الميزانية: “من جهة نقول إننا نعود إلى مستويات مستدامة، ومن جهة أخرى نركّز فعليا على جذب الأفضل والأكثر تميزا”.
وقد خفضت الحكومة الأهداف العددية بشكل حاد، إذ تم تقليص عدد المقيمين الدائمين إلى 380,000 سنويا خلال السنوات الثلاث المقبلة، بعد أن كان الهدف 395,000 في عام 2025، أما عدد المقيمين المؤقتين فسينخفض بشكل أكبر، إذ ستستقبل كندا نحو 385,000 شخص العام المقبل، أي أقل بنسبة 43 في المئة من هدف 2025، ثم 370,000 في العامين التاليين.
وأطلقت الحكومة من جهة النوعية خطة جديدة بعنوان “استراتيجية وخطة عمل لجذب المواهب الدولية”، في إشارة إلى أن كندا تنوي المنافسة بقوة على المواهب العالمية، وتسعى لتكون وجهة للابتكار والاستثمار، ويبدو أن الرسالة السياسية التي تفضّل النوعية على الكمية تلقى قبولا واسعا.
وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة إنفايرونيكس أن معظم الكنديين ما زالوا يعترفون بفوائد الهجرة الاقتصادية والاجتماعية، لكن الأغلبية، بنسبة 56 في المئة، يعتقدون أن كندا تستقبل عددا كبيرا من الوافدين الجدد، وتعكس هذه التخفيضات ذلك الشعور بوضوح.
ولكن ضبط الرسائل السياسية لا يُعادل وضع استراتيجية اقتصادية، فبدون خطة أوسع وأكثر ترابطا للنمو، قد تتحول هذه المقاربة إلى خطوة رمزية أكثر منها هيكلية.
وفي الواقع، مهما أنفقت الحكومة لجذب المواهب العالمية، فلن يأتوا – أو يبقوا – ما لم تكن هناك فرص حقيقية في سوق عمل صحي، وما لم تكن هناك مجتمعات تضم مدارس جيدة، وسكنا ميسورا، وبنية تحتية تدعم الأسر المتنامية، لا يمكن جذب المواهب النوعية دون توفير جودة حياة تشمل الجميع.
وهذا أحد أبرز ما غاب عن هذه الميزانية، وعندما كشفت الحكومة عن أهداف الهجرة ضمن الميزانية، أظهرت أنها جادة في ربط النمو السكاني بالسياسات الاقتصادية والأداء العام، ورغم وجود إشارات مشجعة – مثل الاستثمار في الإنتاجية والتنافسية والبنية التحتية – إلا أن الطموح تعثّر في التنفيذ والدمج، ولأن النمو السكاني والسياسة الاقتصادية ما زالا يسيران في مسارين منفصلين.

كندا تُحدّد قواعد جديدة لإلغاء تأشيرات الزيارة والسفر والعمل والدراسة.. إليك التفاصيل

وخصصت الحكومة 1.7 مليار دولار لجذب “المواهب عالية الجودة”، والنية واضحة: مع تشديد الولايات المتحدة على تأشيرات المهارات العالية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وفرض رسوم جديدة بقيمة 100,000 دولار أمريكي على تأشيرة H-1B، تأمل كندا في الاستفادة من هذا التحول.
وتبرير هذه الخطوة مفهوم، فالباحثون والمبتكرون ورواد الأعمال يمكنهم دفع عجلة الاكتشاف، وخلق الوظائف، والمساهمة في النمو طويل الأمد، ولكن الابتكار لا يحدث في عزلة، والازدهار المستدام كذلك.
ولا تحتاج كندا فقط إلى المواهب التقنية أو الباحثين المميزين، بل تعتمد أيضا على العاملين في الرعاية الشخصية، والعمال الزراعيين، والمربين في مرحلة الطفولة المبكرة، وموظفي قطاع الخدمات – أولئك الذين يُبقون المجتمعات حيّة ويحافظون على جودة الحياة، وعندما تنهار هذه الأنظمة، يصبح من الصعب جذب أي نوع من المواهب، بما في ذلك الأشخاص الذين تنفق الحكومة أكثر من مليار دولار لاستقطابهم.
ولهذا السبب، فإن تقليص الهجرة المؤقتة بشكل حاد – دون زيادة دائمة ومقنعة في القبولات الدائمة – يُهدد فعالية التنفيذ.
وتفضيل الهجرة الدائمة على المؤقتة صحيح من حيث المبدأ، ولكن التنفيذ هو ما يصنع الفرق، وتقليص عدد القادمين المؤقتين دون توسيع المسارات الدائمة – عبر جميع مستويات المهارات – يُضعف النتائج، فاستراتيجية تستهدف الباحثين والمبتكرين يجب أن تضمن أيضا قدرة العاملين الذين يُبقون المجتمعات حيّة على القدوم والبقاء والازدهار، وحاليا، تراهن الحكومة على النمو دون خطة واقعية لسوق العمل تدعمه.
ولكن هناك صورة أكبر، إذ من المتوقع أن تبقى القبولات الدائمة عند أقل من 1 في المئة من عدد سكان كندا، بينما تحتاج البلاد إلى مستويات هجرة مستدامة تتراوح بين 1.15 و1.25 في المئة خلال العقد المقبل، حتى لا تضطر إلى تمويل مجتمع متقدم في السن بقاعدة ضريبية وقوة عمل أصغر.
وما هو مطلوب الآن هو استراتيجية سكانية متماسكة تربط بين الناس والمساكن والبنية التحتية والخدمات، وتنفيذ موثوق يمكن للكنديين رؤيته، لأنه إذا استثمرنا في جانب وأهملنا الآخر – كما قال شامبين في خطابه: “لن نتمكن من اللحاق برياح التغيير الاقتصادي” – فسنتوقف.
وفي نفس التصريحات، أضاف شامبين: “يجب أن تكون هذه الميزانية طموحة على مستوى الأجيال، وأن تساهم في تشكيل اقتصادنا ومستقبل أمتنا”.
وهو محق، لكن الاستثمار على مستوى الأجيال ليس بندا في الميزانية، بل هو عقلية، ويتطلب تخطيطا يتجاوز الدورات الانتخابية، واستعدادا لبناء استراتيجية سكانية متكاملة مثل الاقتصاد الذي يُفترض أن تدعمه، ويتطلب انضباطا لربط النقاط بين من ندعوهم، وأين يعيشون، وكيف يزدهرون.

ميزانية كندا 2025: وزيرة الهجرة تعطي أولوية الإقامة الدائمة لفئة محددة من الأجانب

تابعونا على وسائل التواصل

انشر الموضوع
تفضلوا بالانضمام الى صفحتنا على الفيسبوك للاطلاع على آخر اخبار الموقع