ظاهرة سحب الأطفال.. حل لمشكلة أم زيادة الطين بلة؟

منذ فترة تضج وسائل التواصل الاجتماعي بالحديث عن قضية سحب الأطفال من أهلهم من قبل الخدمات الاجتماعية في عدة دول غربية.
العديد من القصص المحزنة تتم روايتها لحال أمهات وآباء فقدوا أبناءهم بهذه الطريقة وأصبحوا ممنوعين من التواصل معهم أو زيارتهم، وفي حين يتعاطف الكثيرون من الناس مع حال هؤلاء الأهالي ويعتقدون أنه لا شيء يمكن أن يبرر حرمان الأهل من أطفالهم بهذه الطريقة يرى البعض الآخر أن سحب الأطفال في مثل هذه الحالات ليس سوى إجراء ضروري لحمايتهم من أهلهم غير القادرين على تربيتهم إما بسبب العنف أو المشاكل الزوجية أو الإدمان أو غير ذلك.
من خلال هذا المقال سنناقش هذا الموضوع من زاوية أخرى تماما لنحدد جذور المشكلة ونظرتنا للحل.
أولا: جذور المشكلة
إن ظاهرة سحب الأطفال بهذه الطريقة وإن كانت تقدم تحت ستار حماية حقوق الطفل إلا أنها ليست مشكلة منعزلة عن الكثير من الظواهر الاجتماعية المخيفة المنتشرة في الغرب اليوم، فلا أحد يربط في الحقيقة بين سحب طفل من عائلته ووفاة رجل أو امرأة مسنة وحيدة في شقتها دون أن يكتشفها أحد لمدة طويلة حتى تكون جثتها قد تحللت فعلا، توفيت وحيدة وعثر على جثها بعد 15 عاما، لأن هاتين المشكلتين تبدوان للناظر غير مترابطتين، لكن الحقيقة مختلفة وهي أن هاتين المشكلتين -وهما طبعا على سبيل المثال لا الحصر- تعودان لنفس الجذور.
برأينا، إن جوهر معظم المشاكل الاجتماعية الحاصلة اليوم في الغرب هو انتشار واعتماد نظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية تمثل بيئة مثالية وخصبة لتنامي الكثير من الظواهر الاجتماعية المخيفة.
فعلى المستوى الاجتماعي نرى تغول وانتشار النظريات الاجتماعية القائمة على مبدأ الفردانية والأنانية والتي ترى في الفرد مركز التحليل والحياة، ومن خلال هذه النظريات فإن الفرد يرى العالم من بوابة منافعه ومصالحه الشخصية التي يسعى إلى تعظيمها قدر الإمكان ولو على حساب الجماعة.
وتمتد جذور هذه النظريات إلى الداروينية الاجتماعية التي ترى أن الأصلح للحياة هو من يبقى، والأصلح للحياة طبعا هو الفرد القادر على تعظيم مصالحه وزيادة ثرواته بغض النظر عن مصالح الآخرين، ويتحول المجتمع وفقا لهذه الرؤية إلى حلبة صراع على الموارد يكون دور الدولة فيها هو وضع قوانين الصراع دون اعتبار كبير لنتائجه.
في إطار هذه الفلسفة فإن الأسرة بكل ما تتضمنه من مودة وعلاقات اجتماعية وترابط تصبح مؤسسة عديمة الفائدة، لأنها تحد من حرية وحركة الفرد، وهو ما يترتب عليه تقويضها والاستغناء عنها.
وفي الحقيقة إن الناظر إلى حال الدول الغربية اليوم يستطيع أن يرى بالعين المجردة وبدون حاجة لكثير من التحليل كيف تترجم القوانين والأنظمة المعمول بها هذه الفلسفة على أرض الواقع، حتى أصبحت الأسرة الطبيعية المكونة من أب وأم وأبناء صعبة الوجود والاستمرار في بيئة معادية على كافة المستويات.
(هذه النقطة مهمة للغاية ولكنها ليست صلب موضوعنا اليوم، لذلك لن ندخل في كثير من تفاصيلها ونتركها لمقال منفصل بإذن الله)، ونتائج تطبيق واعتماد هذه النظريات واضحة للغاية على أرض الواقع، وهذا ما تؤكده الإحصاءات الرسمية لدول الاتحاد الأوروبي والتي تشير بوضوح إلى تآكل متسارع للغاية لدور الأسرة ولمعدل الزواج وتزايد كبير لحالات الطلاق
وكذلك الأمر بالنسبة للتزايد الصاروخي لأعداد الأطفال المولودين خارج إطار الزواج (53% في بلجيكا عام 2018 مقارنة بـ4% فقط عام 1960، وفي فنلندا 55% عام 2019 مقارنة بـ4% عام 1960)، أو للأطفال الذين يعيشون في أسرة بدون أب .
إن تعمد نشر وترويج النظرية الفردانية الأنانية على المستوى الاجتماعي تحت شعارات براقة وجذابة ليس بدون أهداف اقتصادية تبتغيها طبقة من المتحكمين في رأس المال العالمي اليوم، فتدمير عرى الأسرة كمؤسسة والاستعاضة عنه بأفراد مستقلين ومتفككين ليس في الحقيقة سوى خطوة حاسمة تجاه استعباد هؤلاء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وتحويلهم إلى مصنع للإنتاج الذي لا يتوقف من جهة وإلى مستهلكين من الطراز الرفيع من جهة أخرى، وهذا ما يشكل أحد أهم الأسس العملية للنيوليبرالية السائدة اليوم.
هذه النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترابطة مع بعضها البعض ليست وليدة اليوم، بل إنها قيد التطبيق منذ فترة ليست بالقصيرة، مما يجعلنا اليوم نتحدث عن أبناء وأجيال تربوا في ظلها وتشربوا مبادئها واعتنقوها وآمنوا بها.
هذه الأجيال وصلت اليوم إلى مراكز صنع القرار، وبدأت بتطبيق كل تفاصيل هذه الفلسفات والنظريات، مما جعلنا نحس يوما بعد يوم بحرارة النتائج التي باتت محرقة لكل ما يمت للحس السليم بصلة، مثل سحب طفل من عائلته تحت ذرائع واهية وبدون محاولات جادة لتصحيح الوضع ومساعدة الأهل على تجاوز مشاكلهم.
إن موظف الخدمات الاجتماعية الذي يقرر اليوم سحب الطفل من أهله استنادا في بعض الحالات إلى مبررات غير معقولة، بل والقاضي الذي يوافق على هذا الرأي، وربما المشرع الذي يتيح مثل هذه الإمكانية قانونيا إنما هم في أغلب الأحيان أبناء هذه الثقافة، فمع الإحصائيات المخيفة التي ذكرناها أعلاه احتمالية أن يكون هذا الشخص ولد وترعرع في ملجأ أو بدون أب أو بدون أسرة أساسا هي احتمالية كبيرة، وهو ما يؤثر بكل تأكيد على نظرته للحياة وللمجتمع، فيعتبر أن الأسرة ليست بالشيء المهم أساسا وأن الطفل يستطيع أن يعيش بدون والديه.
لذلك، فإن الدولة -التي باتت مبنية على هذه المبادئ- ليس لديها أي توجه لمعالجة المشكلة ضمن إطار الأسرة ومحاولة مساعدة الأب والأم بشكل جدي وفعال على تجاوز الصعوبات التي قد تعترضهما في طريق تربية أطفالهما رغم إمكانية ذلك، فالعناية بالأسرة ليست موضع اهتمام أصحاب القرار في الدول الغربية اليوم للأسف، لذلك فإن الطفل يتم سحبه مع تأمين البنية التحتية اللازمة لتربيته بعيدا عن أهله ضمن إطار الفلسفات المذكورة أعلاه.
ثانيا: النتائج المنتظرة
يربط البعض مسألة سحب الأطفال من أهلهم بموضوع الالتزام باتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة بحماية حقوق الطفل.
وفي الحقيقة، العناية بالأطفال مسألة محسوسة للغاية في كثير من الجوانب في الدول الغربية، وهذا لا يمكن إنكاره، لكن سحب الطفل من عائلته لا يمكن إدراجه في هذا الباب تحت ذريعة حمايته والدفاع عن حقوقه.
في غياب أو عدم توفر بيانات عن حال الأطفال الذين يتم سحبهم من أهلهم وأي مستقبل ينتظرهم فإننا سنشير إلى نتائج العديد من الدراسات التي أثبتت قطعيا الآثار السلبية الكارثية على الصحة النفسية والتوازن الاجتماعي للطفل الذي يتربى في أسرة بدون أب (لاحظوا هنا: أسرة بدون أب.. أي أن الطفل يعيش مع أمه، والمشكلة هي في غياب الأب، فما بالك بغياب الأب والأم معا؟!).
وفي ما يتعلق بهذه النقطة فإن أجراس الإنذار بدأت منذ فترة ليست بالقليلة تدق في الغرب محذرة من خطورة الوضع والآثار السلبية الكبيرة التي يتركها غياب الأب على صحة الأطفال وسلوكهم وتوازنهم النفسي، والوضع في تدهور مستمر.
هذا ما أشار إليه كتاب “أميركا بدون أب” للكاتب الأميركي المعروف ديفيد بلانكنهورن، والصادر عام 1994.
في هذا الكتاب اعتبر بلانكنهورن أن غياب الأب هو إحدى أهم الأزمات الكبرى التي تعصف وستعصف بالمجتمع الأميركي، بل إن غيابه يعتبر في نظر الكاتب أحد أهم العوامل المدمرة للجيل على الإطلاق.
أضف إلى ذلك، في تقرير صادر عن جامعة برمنغهام عام 2011 بعنوان “أبي وأنا” تم التأكيد على أن غياب الأب في المجتمعات الغربية وصل لمرحلة وبائية خطيرة، وأنه لا بد أن يعامل كمشكلة صحية عامة (نسبة الأطفال الذين يعيشون في كنف الوالدين معا لا تتجاوز 30% فقط في بعض مناطق بلجيكا على سبيل المثال).
إضافة إلى ذلك -وفقا لمكتب التعداد السكاني الأميركي- فإن حوالي 15 مليون طفل في الولايات المتحدة -أي طفلا من كل 4 أطفال- يعيشون في أسرة بدون أب.
أما الآثار الكارثية التي تحدثت عنها الدراسات فهي زيادة معتبرة في احتمالية أن يصبح الطفل مدمنا على المخدرات والكحول، مما يعني زيادة في احتمالية الإجرام، وارتفاعا في احتمالية حصول حمل في فترة المراهقة عند الفتيات، وزيادة في احتمالية دخول السجن، وارتفاعا في احتمالية حدوث مشاكل سلوكية، وزيادة في احتمالية ترك الدراسة.
أما عن أسباب هذه الظاهرة الوبائية فيؤكد البروفيسور إدوارد كروك الأستاذ في جامعة بريتش كولومبيا أنه على الرغم من تعدد أسباب غياب الأب عن حياة أطفاله فإن السببين الرئيسيين هما الطلاق والإنجاب خارج إطار الزواج.
في المحصلة:

سحب الأطفال ليس حلا لحمايتهم، بل هو زيادة الطين بلة

لا بد من القول إن خيار سحب الطفل من أهله ليس حلا، بل هو زيادة طين الكوارث الاجتماعية الحاصلة في العالم الغربي بلة، لذلك فإن سحب الطفل يجب ألا يكون خيارا مطروحا على الطاولة إلا في حالات ضيقة للغاية ولفترة محددة يتم فيها العمل بكل الوسائل على معالجة الخلل.
أما السحب الدائم فيفتقد -برأينا- أبسط المعايير الأخلاقية والإنسانية وتترتب عليه نتائج ليست طيبة لا بالنسبة للطفل ولا بالنسبة لوالديه ولا بالنسبة للمجتمع، المزيد والمزيد من الضغط الشعبي مطلوب لدفع أصحاب القرار لاتخاذ خطوات جدية في سبيل الاعتراف بالحق المقدس للطفل في أن يعيش في أسرته، واتخاذ كل ما يلزم من خطوات لضمان هذا الحق وعدم التفريط فيه. 

د. محمد العمر
باحث في جامعة لوفان في بلجيك

تابعونا على وسائل التواصل

اقرأ ايضاً

قد يهمك أيضاً

انشر الموضوع

InterServer Web Hosting and VPS

اشترك بالنشرة الاخبارية

FBFPowered by ®Google Feedburner

تفضلوا بالانضمام الى صفحتنا على الفيسبوك للاطلاع على آخر اخبار الموقع