صفقة “بيزنس” ومخابرات ولا علاقة لها بالسلام.. لماذا صوّت ضد الاتفاق الإسرائيلي-الإماراتي في الكنيست؟

صادق الكنيست الإسرائيلي على اتفاقية تطبيع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وافقت الأغلبية على الاتفاقية باعتبارها خطوةً إيجابيةً للغاية نحو تحقيق أهداف الحكومة الإسرائيلية، من حيث استدامة انتهاكاتها المنهجية للقانون الدولي ولحقوق الشعب الفلسطيني. أما أولئك البرلمانيون القلة الذين يؤمنون بالعدالة والمساواة فقد صوتوا ضد الاتفاقية. ومع ذلك كنا لا نمثِّل إلا أقليةً ضئيلة.

حصلنا هذا الأسبوع على نسخٍ من الاتفاقية، وقرأتها باللغات الثلاث (العربية والعبرية والإنجليزية)، وتوصَّلت إلى بعض الأمور. بادئ ذي بدء، لقد خصَّصَها أولئك الذين كتبوا باللغات الثلاث لجمهورهم. وبينما ردَّدوا كلمة “تطبيع” باللغتين الإنجليزية والعبرية مراتٍ عديدة، إلا أنها لم تُذكَر بالعربية. قراءتي الأولى للاتفاقية أنها صفقة أعمال تؤسِّس علاقاتٍ دبلوماسية ليس إلا، وليست اتفاقية سلام. كما لم تُذكَر حتى كلمة “ضم” (للأراضي الفلسطينية المُحتلَّة).

لا يمكن إخراج هذه الصفقة من سياق الحملة الأمريكية وحاجة الرئيس ترامب لقصة نجاحٍ بعد العديد من الإخفاقات. ولن يغيِّر الاعتراف بالمستوطنات غير الشرعية كجزءٍ من إسرائيل شيئاً من القانون الدولي. وبالمثل، فإن قطع المساعدات عن المستشفيات الفلسطينية لن يجبر الفلسطينيين على الرضوخ للهيمنة الإسرائيلية. وكما ورد في ديباجة الاتفاقية، فإنها تستند إلى خطة ترامب التي تطبِّع مع الاستعمار، وتؤيِّد بالكامل الرواية الصهيونية اليمينية، وتدمِّر الأفق أمام دولة فلسطينية مستقلة. وعلاوة على ذلك، فإنها تهدِّد المكانة التي تتمتع بها المواقع المقدَّسة في القدس، وتعامل الفلسطينيين كأنهم غرباء في وطنهم. وعلى الإمارات، وهي دولة عربية تدَّعي الاهتمام بالقضية الفلسطينية، أن ترفض هذا الإطار كما يرفضه معظم المجتمع الدولي.

تتحدَّث الاتفاقية عن التعايش، لماذا إذاً تتحدَّث إسرائيل عن “التعايش” مع دولةٍ تبعد عنها آلاف الكيلومترات؟ في الوقت نفسه يعيش 100 ألف مواطن عربي داخل حدودها في قرى أقدم من إسرائيل نفسها، ومع ذلك لا يعترفون بهم، ولا بقراهم المحرومة من الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء.

إن التمييز والعنصرية ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وهم سكانٌ أصليون يشكِّلون أكثر من 20% من سكَّان البلاد، موجودان في كلِّ جانبٍ من جوانب الحياة. هناك أكثر من 50 قانوناً يميِّز ضد المواطنين غير اليهود. ولا تتوقَّف قطارات إسرائيل في أيِّ بلدةٍ عربية. وكان يمكن لوزير الدفاع بيني غانتس أن يصبح رئيساً للوزراء إذا وافق على شراكةٍ مع الأحزاب العربية. وبدلاً من ذلك، فضَّلَ أن يصبح الشريك الأصغر في الائتلاف الإسرائيلي الحالي.

انظروا فقط إلى الوفد الإسرائيلي الكبير الذي ذَهَبَ إلى الإمارات في أغسطس/آب الماضي. لم يتضمَّن أيَّ مسؤولٍ غير يهودي. نعم يغرِّد بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته على منصة تويتر باللغة العربية الآن، لكن جزءاً من إرثهم يتمثَّل في الدولة القومية اليهودية العنصرية التي تقلِّل من مكانة اللغة العربية في إسرائيل.

أما بالنسبة للإمارات، فالاتفاق هو في الواقع تبرُّعٌ سخيّ لحملة ترامب الانتخابية، وفي الوقت نفسه يمنح أبوظبي فرصةً للحصول على مزيدٍ من الأسلحة والمساعدات الاستخباراتية. أيُّ اطِّلاعٍ بسيط على وسائل الإعلام الإسرائيلية يُظهِر أن الشركات المرتبطة بالأمن هي الأكثر حماسةً بشأن هذه الصفقة.

وماذا عن حقوق الفلسطينيين؟ لم يُذكَروا حتى، ماذا عن وقف الضم الإسرائيلي؟ من المُقرَّر هذا الأسبوع أن توافق إسرائيل على حوالي 5 آلاف وحدة إضافية لتوسيع مستوطناتها الاستعمارية غير القانونية.

لعلَّ الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو أن الاتفاق يشير إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة بشأن “الاتفاقيات الدولية”. وماذا عن القرار 2334 الخاص بعدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، أو القرار رقم 478 الذي يطالب جميع الدول بنقل ممثليها الدبلوماسيين إلى خارج القدس، ماذا عن ميثاق الأمم المتحدة الذي يحثُّ البلدان على “اتخاذ تدابير جماعية فعَّالة لمنع تهديدات السلام وتقويضها”؟ يقوِّض ترامب ونتنياهو الفكرة الكاملة لنظامٍ عالمي قائم على القواعد.

يستمر الضمُّ على الأرض، وتُواصل إسرائيل هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع مستوطناتها، لكن وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي، أخبر نظراءه الأوروبيين أن الضمَّ “توقَّف” بالطبع.

لكلِّ هذه الأسباب قلت لا لهذه الاتفاقية، وهكذا ينبغي لأيِّ شخصٍ يهتم بالعدالة. تمثِّل هذه الصفقة العكس تماماً من السلام الإقليمي والأمن والمساواة وإنفاذ حقوق الشعب الفلسطيني التي طال انتظارها.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. 

انشر الموضوع

تفضلوا بالانضمام الى صفحتنا على الفيسبوك للاطلاع على آخر اخبار الموقع