اختطاف محامية واعتقال مدونين وهدم كشك على رأس صاحبه.. هل تعود الدولة البوليسية في تونس؟

تؤمن الأنظمة السياسية في المنطقة العربية “أن هيبة الدولة هي الإفراط في العنف”، وذلك لفرض السيطرة على الشعوب وانصياعها إلى مؤسسات الدولة “فالخوف مما يسمّى بهيبة الدولة لم يكن إلا اعتراف الناس بقدرة الدولة على إلحاق الضرر بهم“، حسب عبارة الكاتب الأمريكي تشارلز تريب.
 تشتغل الأنظمة العربية على شاكلة آلة تعيد إنتاج علاقات الهيمنة والخضوع، ولا تتورع في هذا عن استعمال كلّ البنى الرمزية، الدين والمشاعر الوطنية.

غير بعيد عن هذا، تعيش تونس معادلة صعبة ما بين إنجازات الثورة من حرية تعبير ومناخ ديمقراطي يعتبر الأعلى مقارنة بدول شقيقة وبين ممارسات أجهزة الأمن وخطاب بعض الأطراف السياسية التي ترنو إلى إعادة إنتاج مفهوم “هيبة الدولة” وشرعنة العنف، خطاب وجد رواجاً في أوساط بعض الفئات الشعبية بعد فشل الطبقة السياسية الحاكمة في تحقيق مطالب الثورة الاجتماعية.

شهدت تونس في الفترة الأخيرة بعض التجاوزات الأمنية، وهو ما جعل الحكومة التونسية محل انتقاد واسع في صفوف النشطاء والمواطنين، وذلك بعد مواصلتها نهج التملص من الوعود الذي مارسته الحكومات السابقة، وبين درجات المسرح البلدي بالعاصمة والصفحات الفيسبوكية تجمّع النشطاء ورفعوا شعاراتهم المناهضة لسياسة الاستبداد، حسب تعبيرهم، احتجاج وصل إلى حدود السخرية السوداء في ظل واقع متوتر، ومع حكومة جديدة لم يمض على تشكيلها بضعة أشهر.

 تجاوزات أمنية في حقّ نشطاء ومحامين:

وجهّت بعض مراكز الأمن في تونس دعوات إلى بعض النشطاء للتحقيق معهم حول انتقاداتهم لتجاوزات الأمن في ولاية نابل، وذلك على خلفية اعتداء عون أمن على مواطن وزوجته بالعنف المادي والمعنوي، جاءت هذه الدعوات ضمن قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين قبل أن تسحبه رئاسة الحكومة في الأيّام الفارطة.

بالإضافة إلى ذلك لم يسلم المحامون من الاعتداءات الأمنية، إذ تمّ احتجاز محامية في مركز أمن بالضاحية الجنوبية للعاصمة والاعتداء عليها بالعنف، ووصلت التجاوزات إلى إخراج المتهمين رئيس مركز الشرطة ومساعديه من قاعة المحكمة صبيحة الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2020 وذلك  تحت إشراف النقابات الأمنية، والتي وصفتها جمعية المحامين الشبان في بيانها الصادر يوم 11 أكتوبر 2020 بـ“الاستقواء على السلطة القضائية وتغوّل جهاز البوليس”، لتكون ردود رجال الأمن ساخرة من البيانات الصادرة في حقّ نقاباتهم حسب تعليقاتهم في صفحات النقابات الأمنية على الفيسبوك، الأمر الذي اعتبره بعض النشطاء تطاولاً على المواطنين ومواصلة لنهج الاستبداد وتكريس مبدأ الإفلات من العقاب.

هدم كشك في مدينة سبيطلة النقطة التي أفاضت الكأس:

في الثالث عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول تمّ تنفيذ قرار هدم في كشك ذهب ضحيته مواطناَ كان نائماً بداخله، تمّ قرار الهدم تحت إشراف بلدية سبيطلة بمدينة القصرين، والوحدات الأمنية، وذلك بعلة مخالفة القانون (إذ تمّ بناء الكشك بجانب السكك الحديدية)، أثارت هذه الحادثة موجات غضب عارمة في صفوف التونسيين متواصلة إلى اليوم، وتأتي هذه الحادثة في سياق مليء بالإخلالات الحكومية  والتي بلغت أوجها خلال حادثة “غرق طفلة في قنوات المجاري”، وارتفاع عدد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا إضافة إلى تدهور خدمات المستشفيات العمومية وعجز طاقة استيعابها.

لم يعد جهاز الأمن متهماً وحيداَ في هذه الحوادث المتواترة لتتحوّل الدولة التونسية إلى موضع المتهم الرئيسي وعلى شاكلة صورة الـ “فتوّة”، صورة تذكرنا بجرائم إبراهيم الأبيض أو علي شوّرب في المخيال التونسي، هكذا أصبحت الدولة في عرف التونسيين “باندي” يتقن الاستقواء على المستضعفين وينكل بهم.

انهيار مفهوم الدولة في أذهان التونسيين: أخطر أزمات تونس في 2020

“ما هي جرائم الدولة هذا اليوم؟” منشور تناقله المئات من التونسيين، بسخرية سوداء، ففي بضعة أسابيع قليلة كان سجلّ الحكومة حافلاً بالتجاوزات، تجاوزات عمقت اليأس في صفوف التونسيين، لا سيّما الشباب منهم، فقد أصبحت رغبتهم في الهجرة مضاعفة مقارنة بالسنوات الماضية، حسب التقارير الإحصائية الأخيرة.

كل هذا يتزامن مع موجات الفشل الوطني، أي فشل السرديات الكبرى التي تأسست عليها الخطابات السياسية مثل مقولة الدولة الوطنية بعد الاستقلال أو مقولة الاستثناء التونسي بعد الثورة لينتج كل هذا تراجعاً لمكانة الدولة الجامعة والضامنة لكرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم في المخيال الجماعي التونسي، لقد انفرط الأمل من الشعب تجاه الدولة لتصبح الخصم الرئيسي، وأمام تشتت المعارضة وتراجع المضمون الاجتماعي للخطاب السياسي وارتفاع نسبة الفقر، وتدهور القدرة الشرائية لعموم التونسيين وتقهقر الطبقة الوسطى،  تمّ تحميل الدولة التونسية أوزار ما يحدث اليوم، واتهامها بحماية المافيات واللوبيات العائلية التي تحتكر قطاعات واسعة من الاقتصاد التونسي، تهم لم تستطع الحكومة إلى اليوم دحضها وتفنيدها وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين المواطن لعله يستعيد ثقته بالدولة ومؤسساتها.

فساد المنظومة الحاكمة ينتج مقاومة مضادة:

رغم محاولة المنظومة الحاكمة الإجهاز على حركات المقاومة الرمزية، نقصد هنا التحركات الشبابية التي حملت مضامين سياسية واجتماعية تتعارض مع سياسات الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، إلا أنّها فشلت في هذا، فشلاً يضاف إلى فشلها في تسيير البلاد، وهو فشل أنتج هذه المقاومة المضادة، مقاومة تتبنى السلمية.

أصبحت بعض الفضاءات في تونس، فضاءات مقاومة،  مدارج ” المسرح البلدي” على وجه الخصوص، لقد تحوّل هذا المكان إلى ذاكرة عمرانية جماعية يوثق تاريخ تونس الحديث بعد الثورة بل ومقرّ سيادة الشعب في نفس الشارع الذي يضمّ مقرّ وزارة الداخلية، يتابع تمثال العلامة بن خلدون احتجاجات الشباب بعد أن أدار ظهره إلى المدينة العتيقة وسفارة فرنسا وكأنّه يقطع مع الماضي البعيد.

لم تهدف مقاومة الشباب والنشطاء إلى الردّ على تجاوزات الدولة في حقّ الأفراد والجماعات، بل أصبحت شكلاً من أشكال المشاركة وصنع القرار في تونس، فبعض القوانين تمّ سحبها أو تعديلها بعد الضغوطات الشبابية.

ورغم مضيّ عشر سنوات على الثورة التونسية، مازال فضاء التواصل الاجتماعي “فيسبوك ” يلعب دوراً كبيراً في صياغة الاحتجاجات الشعبية، وإخراجها أحياناً إلى الواقع “مدارج المسرح البلدي”، في استعراض للوعي بمطالب ثورة الشباب، الوعي الذي لعبت بعض الأطراف السياسية في محاولة تدجينه في صراع الهوية الموهوم.

استطاع شباب “مدارج المسرح البلدي” أن يخلق حالة سياسية طريفة، ورغم انتماء الشباب إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة استطاع أن يفرض نفسه كطبقة سياسية مترابطة وصامدة رغم أساليب العنف الممنهجة، لتصبح الصورة كالآتي عشرات أو مئات الشباب في صراع أمام الفتوة “الدولة الباندي” والتي جندت كلّ مؤسساتها ضدّهم، البوليس والإعلام.

الدولة الفتوّة “الباندي” تخلق معارضات الفتوّة “الباندية”:

تنصلت الحكومات المتعاقبة من وعودها بالتشغيل لعدد من شباب الجهات، لا سيّما في تطاوين وقفصة، كما قمعت قوات الأمن احتجاجاتهم أكثر من مرّة فتمّ الردّ على طريقة الفتوّات: غلق الفانة في تطاوين من طرف شباب الكامور، وغلق الطريق لنقل الفسفاط في قفصة وحجز بعض الشاحنات التابعة لشركة نقل المواد المنجمية إثر فشل المفاوضات مع الحكومة، لقد انتقلت المعارضة الشبابية في تلك الربوع إلى الاحتجاج بطريقة أكثر نجاعة مع حكومة لم تعترف إلا بالعنف لتفعيل المفاوضات، فالفتوَّة لا يمكن أن يرضخ إلا لفتوَّة أقوى منه.

تناقل بعض التونسيين صور شباب الكامور في قصر الحكومة بالقصبة، وتباينت ردود فعلهم بين مندهش وممتعض ومرحب بانتصار شباب الكامور على حكومة المركز، انتصارٌ رمزيٌّ يُنصف إحدى الجهات التي عانت التهميش عقوداً طويلة، ولكنه كرَّس في الوقت نفسه صورة الدولة الباندي التي لا يمكن أن تفتكَّ منها الحقوق إلا بالقوّة.

تشبه تونس اليوم تلك الفتوّة العجوز جدّتها الخلافة العثمانية، في آخر أيامها، إذ يتحكم في مفاصل الدولة مافيات ولوبيات عائلية وبحماية أمنية، مقابل شعب أثقلت الجباية كاهله وأنهكه تسلُّط السلطة المركزية، لقد تراجعت الدولة التونسية في الداخل والخارج، إذ فقدَ عموم الشعب الثقة بدولتهم كما تراجع دور تونس الإقليمي في المنطقة، فلم يعد للسياسة الخارجية أي وزن أو تأثير إقليمي، مقابل مديونية مرتفعة لم تنجح الحكومات في تخفيضها ورفع نسب التنمية لتبقى الجباية هي الحلّ، حلّ دولة تحاول الإبقاء على نفسها حتى وإن التبس الأمر عليها، لتصبح الباندي الذي يحكم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

انشر الموضوع

تفضلوا بالانضمام الى صفحتنا على الفيسبوك للاطلاع على آخر اخبار الموقع