هل يرجع اللاجئون السوريون إلى وطنهم؟

An internally displaced Syrian girl runs through mud in the Bab Al-Salam refugee camp, near the Syrian-Turkish border, northern Aleppo province, Syria December 26, 2016. REUTERS/Khalil Ashawi

يرى معظم السوريين المهجّرين بعد الثورة بيوتَهم وحاراتهم وقراهم وملاعب طفولتهم ومرابع شبابهم، في أحلامهم، بل تحوّلت تلك الأحلام عند بعضهم إلى كوابيس، تعودهم كل ليلة فتقض مضاجعهم، أما المهاجرون الأوائل، فقد غادرتهم تلك الأحلام والكوابيس بعد استقرارهم وبات وطنهم الأول مكانًا يُذكّرهم بأهلهم وأصولهم، يردونه كل بضع سنوات ثم يتركونه غير آسفين، وقد شعروا بالغربة فيه؛ بسبب فشل الدولة في تحقيق نهضة حضارية تقترب من السائد في بلاد الاغتراب، وفشلها في إقامة العدل وتسويد القانون.

في عام 1998، زرت المخرج مصطفى العقاد في مكتبه في هوليوود، وسألته: هل تُفكّر بالعودة إلى حلب؟ أتذكر أنه أراد أن يسخر لكنه لجم نفسه احترامًا لإعلاميّ سوري زائر قد يحمل انطباعًا خاطئًا عنه. وقال: “لو لقيت بسورية ربع التشجيع اللي شفتو هون، كنت سافرت بكرة، يخرب بيتون الشي القديم اللي كنت حبو خربوه، والجديد اللي عملوه كلو غش وفساد وواسطات، بقا لوين بدي ارجع!”،

وحين أعدت السؤال اليوم، في منتصف عام 2017، على المهاجرين الأوائل بصيغة أكثر تشجيعًا: “لو أن سورية تحررت من سفاحيها ومحتليها وغدت بلدًا حرًا ديمقراطيًا، فهل تُفكّرون في العودة إليها وقضاء ما تبقى من عمركم فيها؟ يأتي جوابهم بعد صمت وتأمل: لا نعتقد أن بإمكاننا فعل ذلك؛ لأن أبناءنا صاروا أميركيين أو كنديين أو أوروبيين، وأصبح لنا أعمال ناجزة وعلاقات عميقة، ليس بوسعنا التضحية بها والبدء من الصفر في بلدٍ مدمرٍ يحتاج إلى عشرات السنين لإعمار بنيته التحتية، وفق المعايير العصرية التي اعتدنا عليها هنا. كل ما يمكننا فعله هو تقديم خبرتنا ودعمنا وزيارة بلدنا بضعة أيام.

أما القادمون الجدد من تحت الخراب وهربًا من الموت والجوع وملاحقة أزلام الأسد وأزلام الفصائل التكفيرية، الذين نشرت الحكومة السورية المؤقتة، على موقعها الإلكتروني نهاية العام الماضي، إحصاءات مفصّلة لأعدادهم في دول الجوار والعالم

(عددهم تجاوز خمسة ملايين لاجئ، المسجلون لدى الحكومة التركية في 30 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حوالى مليونين و407 ألف لاجئ، وهم موزعون على 25 مخيمًا، 276 ألفًا داخل المخيمات، والجزء الآخر حوالى مليونين و131 ألف لاجئ خارج المخيمات، وفي لبنان، بلغ إجمالي عدد السوريين مليون و70 ألفًا، حوالى 100 ألف منهم داخل المخيمات، و970 ألفًا آخرين موزعون خارج المخيمات، فيما وصل عدد اللاجئين في الأردن إلى 633 ألفًا و466 لاجئًا، 120 ألف منهم داخل المخيمات، و509 آلاف لاجئ خارج المخيمات، وبلغ إجمالي عدد اللاجئين في العراق 244 ألفًا و527 لاجئًا، 94 ألفًا منهم داخل المخيمات، و150 ألفًا خارج المخيمات، وفي مصر 123 ألفًا و600 لاجئ، أما عددهم في باقي الدول العربية فبلغ 26 ألفًا و800 سوري، وفي أوروبا بلغ عدد اللاجئين 550 ألف لاجئ)،

فسوف تختلف إجابات اللاجئين في المخيمات (مخيم الزعتري الأردني ومخيمات البقاع اللبنانية والأخرى العراقية) عن إجابة اللاجئين الذين حملوا معهم مالًا، استعانوا به في إنشاء معامل وورشات صناعية أو طبية أو هندسية أو أطباء ومخبريين، عدلوا شهاداتهم وانخرطوا في العمل، فاللاجئون من القسم الثاني قد يترددون في التضحية بمنجزاتهم واستقرارهم وعائلاتهم في العودة، أما القسم الأول الذين يعانون من الفقر المدقع وبرد الشتاء وحرَّ الصيف؛ فسيعودون في أول فرصة تضمن لهم السلامة.

في دول الغرب وأستراليا ونيوزلندا يبدو قرار العودة إلى الوطن صعبًا للغاية، فلقد شعر الشبان والشابات كما العائلات بالفارق الشاسع بين وطنهم الذي تستباح فيه كراماتهم، والوطن الجديد الذي يعترف بإنسانيتهم ويلبي حاجاتهم المعيشية والصحية والتعليمية تحت عنوان حقوق الإنسان، وليس مكرمة من الرئيس،

وهم ذاقوا حلاوة الحرية في إبداء رأيهم والتظاهر والتعبير الأدبي والفني بألوانهما المختلفة دونما رقابة متشنجة، وهم، أول مرة في حياتهم، لا تواجههم مشكلات انقطاع الكهرباء والماء والغاز والنت والوقوف في الطابور لشراء الخبز، وفي المحصلة فإن عودة اللاجئين السوريين من ذوي الخبرة والكفاءات العلمية، وخصوصًا أولئك الذين أتيحت لهم فرص العمل والسكن تبدو غير واقعية وفق تجارب من سبقوهم، وبسبب انسداد الأمل في نجاح ثورة الكرامة والحرية التي بذلوا على طريقها حياة أحبتهم وخراب بيوتهم، ولا شك أن مئات الآلاف من الفقراء الذين فشلوا في الوصول إلى دولٍ، تحفظ كرامتهم وتقيهم شر العوز والبرد والحر، وتضمن تعليم أبنائهم، سيعودون في وقت ما إلى وطنهم بمجرد أن تتوقف آلة الحرب، حتى إنْ بقي ممزقًا تحت احتلالات داخلية وخارجية، ليرمموا مساكنهم ويتابعوا حياتهم حيث ولدوا، وسيجد اللاجئون الذين لن يعودوا أنفسَهم في حالٍ من المشاعر المتناقضة بين الرغبة في العودة والرغبة في الحياة المستقرة الحرة الآمنة، كما عاشها اللاجئ اللبناني في أميركا الأديب جبران خليل جبران ووصفها بقوله: “ما بين الرغبة والغربة، ترتيب حرفين، وتعطل قلبين، ومزامنة روحين، وشتات لا ينتهي”.

المصدر :  http://www.geroun.net/archives/86820

الكاتب : توفيق الحلاق – إعلامي سوري

ما هو تعليقك أنت؟
انشر الموضوع