مونتريال.. وألق الحلم الكَندي

كندا جنة في الصيف وجهنم في الشتاء. ولكن جهنم كندا الشتوي يحرق بطريقته الخاصة. أنا شخصياً تعرضت لاحتراق آذاني وشفتي وأرنبة أنفي. نحن الأطباء نعرف أن الحرق حرقان بالسخونة والبرودة. ولكن صيف 2016 في مونتريال تحتفل به بلدية المدينة بطريقتها الخاصة في إصلاحات للطرقات لا تنتهي. وفي مونتريال القديمة تقف لافتة مهيبة عليها الأرقام 375 عاماً. سألت وقد اقتربنا من اللوحة إلى ماذا ترمز؟ تبين لنا أن هذه المدينة العريقة بنيت منذ عام 1624، وها قد مضى على قيامها قريباً من أربعة قرون.

حين قدمت إلى كندا قبل أكثر من عشرين عاماً لم أرَ محجبة إلا فيما ندر. ومع تدفق السوريين خاصة ترى النساء المسلمات المحجبات في كل مكان وفي ميادين العمل بل واستقبلتني ضابطة محجبة في مطار مونتريال، حيث تختم الجوازات. تعود قصة كندا إلى جاك كارتييه الذي وصلها عام 1535، وربما كان قدومه في الغالب مع الصيف فهي جنة أرضية حقاً.

ومع كتابة هذه الأسطر فاجأنا مطر. مع ذلك وخلال دقائق من توقف المطر لم أرَ بقعة ولا بحيرة من تجمع الماء، فنظام التصريف عندهم آية في الإبداع. وحالياً يتدفق اللاجئون السوريون بحفاوة. صديقي محمد جاء في زيارة إلى أميركا ومنها جاء إلى الحدود الكندية، وتقدم بطلب لجوء سياسي لأنه سوري مطارد من نظام «البعث».

كندا بلد يضم أكثر من مائتي لغة ودين، والكل يعيش بسلام لأنه مجتمع السلام والعدل إلى حد كبير. ومن استقبل زوجتي في القسم الطبي كان من أفريقيا، ومن قابلنا في قسم تأجير السيارات اثنان أحدهما فرنسي والآخر نيجيري. وحين أتجول في منطقة كيركلاند مثلًا من مونتريال أقول إنه مجتمع يسبح في الرفاهية. شوارع فسيحة وجامعات عريقة ونظافة تتعاون فيها البلدية مع مواطن واعٍ ومسؤول.

وأعجب ما رأيت هو نقاط التوقف عند تقاطع الشوارع، حيث لا أضواء مرور حمراء وخضراء بل موجود علامة «قف»! فإذا حضر إلى التقاطع أكثر من واحد كانت الأفضلية لمن جاء أولًا، والكل يحترم الكل، وهي طريقة تدريب ذكية أن يعتاد المواطن التحكم في المرور أحياناً من دون إشارات مرور، وحتى لو توقفت فقد اعتاد على النظام.

وحين أتأمل أحفادي في هذا البلد الأمين أقول ليتني أرتد طفلًا فأدخل معهم الحضانة والابتدائي. أعرف عائلة أصيب طفل لها بمرض التوحد. الدولة تساعدهم في الإعانات وتخصيص مدارس خاصة لإعادتهم إلى الطبيعة الإنسانية من التواصل فمرض التوحد (Autism) يدفع الطفل إلى الانفصال الإنساني، ويعيش لوحده في عالمه الخاص. أنا شخصياً لم يكن عندي تصور عن المرض حتى رأيت بضع حالات. ولعل مشكلة المجتمع الكندي هي البرد الشديد في الصيف فليس من رأى كمن وصف، ومنه يتعجب الإنسان عن كيفية بناء هذا البلد وصموده عبر القرون!

ومن أجمل ما في تراث كندا هو المزيج الرائع من ضخامة أميركا الشمالية والمسحة الأوروبية. وفي مونتريال يتحدث القوم اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكل الأوراق والعلامات ممهورة بهذين الحرفين. وعليّ أن أقر للقارئ بأن من يدخل كندا يشعر من المطار بأنه يحقق قفزة نوعية في الحياة.

وكل المواطنين عندهم تأمين طبي مجاني. أنا شخصياً أعطوني دوائي بالمجان لأنني تقدمت في السن. والريف الكندي روعة من البحيرات والمتنزهات. حين أصلي صلاة الصبح ثم أمشي في ممرات جاهزة للمشي اشتهي أن أرى ورقة مرمية أو علبة كولا أو بقايا أطعمة. أمشي كل يوم في مسطحات خضراء غاية في النظافة.

هنا تجتمع العبقرية الإنسانية مع مجتمع الضمانات. والبلدية تمر أسبوعياً لجمع بقايا الطعام والفضلات. وفي مطلع كل شهر تأتي عربات هائلة تأخذ الأغراض وتطحنها، وكذلك الحال مع مخلفات الأشجار. ويحق فعلًا لمونتريال أن تحتفل بالذكرى 375 من التاريخ الحافل بإنجاز نموذج إنساني متقدم، حيث تستقبل كندا كل عام ربع مليون مهاجر إليها في مساحة 10 ملايين كلم مربع وفيها من الاستعداد أن يزداد عدد سكانها حتى 500 مليون نسمة. تمنيت أن أكتب فأوسع عن هذا البلد الجميل ولكن خير الكلام ما قل ودل.

ما هو تعليقك أنت؟
انشر الموضوع

مقالات ممكن أن تعجبك

اشترك بالنشرة الاخبارية