من الصحافة الألمانية: كيف غير اللاجئون البلاد؟

نشرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” ا?لمانية تقريرا، سلطت من خلاله الضوء على تأثير اللاجئين على ألمانيا، علما وأن هؤلاء اللاجئين يواجهون العديد من المشاكل في سبيل الاندماج في صلب المجتمع وتسوية أوضاعهم القانونية. والجدير بالذكر أن الدولة الألمانية تكابد بدورها جملة من الصعوبات لإدماج واحتواء اللاجئين، في ظل التعقيدات الأمنية والثقافية التي رافقت وصولهم.

وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي ترجمته “عربي21″، إن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت قد أدلت بتصريح تاريخي في 31 من آب/أغسطس 2015، خلال مؤتمر صحفي، حيث قالت: “نستطيع تحقيق جملة من النجاحات”، في إشارة إلى أنها تعتزم استقبال عدد كبير من اللاجئين وإنجاح عملية إدماجهم في قلب المجتمع الألماني.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الموقف جاء في سياق مواجهة ألمانيا لموجة هائلة من الوافدين على أراضيها، عرفت “بأزمة اللاجئين”. وفي الأثناء، ارتفع عدد الأشخاص الذين كانوا على استعداد لفعل أي شيء للوصول للقارة الأوروبية، هربا من الحروب الأهلية والإرهاب والفقر.

وذكرت الصحيفة أن ألمانيا تلقت في سنة 2015 حوالي نصف مليون طلب لجوء، أغلبها من سوريا وأفغانستان. وفي سنة 2016، دخلت المستشارة أنجيلا ميركل في مفاوضات مع الحكومة التركية، من أجل إبرام اتفاق ينص على أن كل اللاجئين الذين قدموا عبر تركيا ستتم إعادتهم إليها.
والجدير بالذكر أن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، الذي تتزعمه ميركل، وفي حال واصل قيادته للبلاد، سيقوم بعقد اتفاقيات مماثلة مع دول أخرى. من جانبه، يعتزم حزب الخضر وحزب اليسار الألماني وضع حد للاتفاق مع أنقرة، نظرا لأنهم يعتبرونه مخالفا لحقوق الإنسان.

وأوردت الصحيفة أن تزايد أعداد اللاجئين، رافقه ارتفاع في معدلات الجريمة. ففي سنة 2016، أعلنت الشرطة الألمانية عن تورط أكثر من 2 مليون شخص في جرائم أو ممارسات مخالفة للقانون، في حين أن حوالي ربع هؤلاء المتهمين من طالبي اللجوء، أو لاجئون فارون من الحرب، أو أشخاص يعيشون في ألمانيا بشكل غير نظامي. وفي حال استثنينا الانتهاكات القانونية المتعلقة بالدخول بشكل غير شرعي للبلاد، فقد تورط حوالي 174.438 لاجئ بشكل أو بآخر في مخالفات قانونية.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الإحصائيات الأمنية تتعلق في الواقع بمن تم الاشتباه بهم أو ذكرت أسمائهم في إطار تحقيقات وقضايا، ولم تتم بالضرورة إدانتهم أو يثبت تورطهم. وفي السياق نفسه، كشفت العديد من الدراسات التي أجريت في ألمانيا، أن اللاجئين غالبا ما يتم الاشتباه بهم دون مبرر حقيقي، أو يتم اتهامهم ظلما بارتكاب بعض الجرائم. وبالتالي، قد تكون هذه الأرقام مبالغ فيها.

وبينت الصحيفة أن اللاجئين من صنف الشباب غالبا ما يكونون أكثر عنفا من النساء وكبار السن. ولا ينطبق هذا الأمر فقط على اللاجئين بل حتى على الألمان في حد ذاتهم. وفي الأثناء، يخشى المعارضون لسياسة قبول اللاجئين من أن هؤلاء اللاجئين قد يحضرون معهم أفكارا شوفينية ونظرة متعالية تجاه الآخر، مما قد يدفعهم إلى السماح لأنفسهم بالاعتداء على الآخرين واغتصاب النساء. وفي هذا الصدد، قام بعض اللاجئين في ألمانيا بتنفيذ أربعة هجمات إرهابية في سنتي 2016 و2017. وقد استهدفت هذه العمليات السكة الحديدية في فورتسبورغ، ومهرجان انسباخ، وسوق عيد الميلاد في برلين، ومركز للتسوق في هامبورج.

في المقابل، نفذ مجموعة من الأشخاص، ولدوا وترعرعوا في ألمانيا، عمليات إرهابية على غرار شاب يبلغ من العمر 16 سنة متعاطف مع تنظيم الدولة، هاجم رجال شرطة بسكين. وقد تبين فيما بعد أنه قد ولد في ألمانيا.

والجدير بالذكر أن أغلب اللاجئين الذين قدموا من بلدان إسلامية لا يحملون أفكارا متطرفة، بل على العكس من ذلك، فقد فروا إلى أوروبا خوفا من التطرف الديني. وبعد استقرارهم في ألمانيا، أصبح هؤلاء اللاجئون ضحايا لجملة من لاعتداءات، في حين نادرا ما كانوا يبادرون باستخدام العنف.

وتساءلت الصحيفة عن السبل المتبعة لتحديد من ستُقبل طلبات لجوئهم ومن سيتم ترحيلهم. وفي هذا الصدد، تبين أنه وفي العديد من الحالات، سعى اللاجئون الذين قدموا إلى ألمانيا إلى العمل بجد، كما عمدوا إلى تعلم اللغة الألمانية، فضلا عن أنهم بادروا بإرسال أبنائهم للمدارس للاندماج. في المقابل، تم ترحيل هؤلاء اللاجئين بغض النظر عن المجهودات الجبارة التي بذلوها، في حين لا يزال العديد من المجرمين والمتطرفين في الأراضي الألمانية.
وأفادت الصحيفة أن سياسة قبول اللاجئين تكلف الخزينة الألمانية حوالي 20 مليار يورو سنويا. وفي الأثناء، يتم إنفاق ثلث هذا المبلغ من قبل الحكومة الفيدرالية في دول المصدر، من أجل محاربة الظروف التي تدفع هؤلاء للهجرة. وقد أثار هذا الواقع الجديد جدلا كبيرا في المجتمع الألماني. فعلى سبيل المثال، طالب البديل من أجل ألمانيا، المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة والمعادية للأجانب، بقبول أصحاب المهارات والمستويات الأكاديمية فقط، ومنع عملية لم شمل العائلات. إضافة إلى ذلك، ناد هذا الحزب بحرمان اللاجئين من الخدمات الاجتماعية والصحية ووقف تقديم المساعدة المالية لهم.

وشددت الصحيفة على أن هناك مخاوف أخرى أيضا تتعلق بالصراعات الثقافية، في ظل تكون ثقافة موازية يعتبرها الألمان دخيلة عليهم وبمثابة تهديد لهويتهم الوطنية. وقد أدى ذلك إلى ظهور العديد من الحركات المتطرفة والأصوات المنادية بالتصدي للإسلام.

وأكدت الصحيفة أن الأرقام تفند هذه الادعاءات بشأن التهديد الذي تمثله الثقافة الإسلامية. ففي الواقع، قدر عدد المسلمين في سنة 2015 بحوالي 4.4 مليون مسلم من جملة 82.7 مليون ألماني، أي بنسبة أقل من 6 بالمائة. ومن هذا المنطلق، وحتى لو اتحد المسلمون وراء حزب إسلامي واحد على سبيل المثال، لا يمكنهم السيطرة على البرلمان الألماني وتغيير القوانين.

وفي الختام، اعتبرت الصحيفة أن جنوح بعض الأجانب أحيانا لتكوين مجتمعات موازية ومنغلقة على ذاتها، ليس إلا ردة فعل، على عمليات الإقصاء والعنصرية التي يتعرضون لها. وفي الأثناء، لا ينطبق هذا الأمر أصلا على المسلمين، حيث يتواصل 78 بالمائة منهم بشكل دائما مع غير المسلمين في حياتهم اليومية.

ما هو تعليقك أنت؟
انشر الموضوع