مشكلة لم الشمل في أوروبا تفرق الكثير من الأسر اللاجئة

أبعدت الحرب في سوريا أفراد عائلة الفتاة إنصاف عن بعضهم البعض لتحول البيرقراطية في أوروبا دون التقائهم مجدداً .

تضغط إنصاف البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً الهاتف على أذنها، جالسةً على سريرها العالي في مأوى للاجئين في جزيرة ليروس اليونانية وتهمس: “اشتقت إليكِ، ماما”.

على بعد أكثر من ألفي كيلومتر، في شقة في بلدة تالهايم الهادئة، في شرق ألمانيا، تخنق والدتها ليالي رضوان دموعها، عند سماع صوت ابنتها.

لم تريا بعضهما منذ أكثر من ثمانية أشهر، منذ أن فرت ليالي، البالغة من العمر 36 عاماً، ورياض، شقيق إنصاف الكبير البالغ من العمر 15 عاماً، إلى أوروبا بعد أن قُصف منزلهم في سوريا العام الماضي.

وكانت الخطة أن يلحقهما كل من إنصاف ووالدها بشار إلى ألمانيا بعد أن يتعافى بشار من إصابة في الرأس تعرض لها أثناء القصف. وبعد أن وصل الأب وابنته إلى اليونان على متن قارب مطاطي من تركيا في فصل الربيع، وجدا وضعاً مختلفاً جداً.

أُغلقت الحدود، وقُطعت طريق البلقان إلى أوروبا الشمالية والغربية. ومع الاتفاق الجديد للاتحاد الأوروبي لإعادة مزيد من المهاجرين واللاجئين من اليونان إلى تركيا، بقي عدد كبير من الناس في مساكن اللاجئين ومراكز معالجة حالات اللاجئين في الجزر اليونانية، وغالباً في ظروف صعبة. وصلت إنصاف وبشار إلى اليونان في 20 مارس، في اليوم الذي بدأ فيه الاتحاد الأوروبي تنفيذ هذا الاتفاق.

وبعد حوالي تسعة أشهر، ما زالت الأسرة منقسمة: الأب والابنة في اليونان والأم والابن في ألمانيا. تمنحهم هواتفهم الذكية نافذة ظاهرية ليستمروا بعيش حياتهم بطريقة متوازية عبر دفق مستمر من الصور والتسجيلات الصوتية ومكالمات الفيديو.
يعد هؤلاء من بين عشرات الآلاف من العائلات اللاجئة المنفصلة، التي يحاول أفرادها عبور متاهة الإجراءات القانونية والتحديات العملية لإعادة لم الشمل.

في أوروبا، يحق لأسر اللاجئين المفصولين وطالبي اللجوء لم الشمل القانوني بموجب لائحة دبلن الأوروبية. ويحدد هذا القانون أيضاً البلد المسؤول عن معالجة طلبات اللجوء. وعليه، بمجرد وصول أحد أفراد الأسرة إلى بلد تشمله لائحة دبلن، يمكنه نظرياً طلب انضمام أفراد الأسرة الآخرين إليه.

ولكن في اليونان، وأمام واقع تزايد الطلب على اللجوء، غالباً ما تكون معالجة حالات دبلن المعقدة بطيئة ولا تُعطى الأولوية. ,حتى عندما تتم الموافقة على طلبات لم الشمل، يمكن أن يستغرق الأمر عدة أشهر إلى عام- أو حتى فترة أطول- قبل أن يلم شمل الأسرة مجدداً.

وتشعر إنصاف البالغة من العمر 13 عاماً أن الانتظار دام دهراً. وللأسرة التي عانت كثيراً، يصعب الاستمرار من دون دعم الأفراد بعضهم لبعض.

وتقول إنصاف: “لقد فرقت الحرب أسرتي. وجدت نفسي بين ليلة وضحاها وسط أزمة وأُخِذَت عائلتي مني… الحمد لله كلنا بخير، لكنني سأكون بحال أفضل لو كنت مع والدتي. أخشى الآن ألاَّ أرى أمي وشقيقي مجدداً”.

“أخشى الآن ألاَّ أرى أمي وشقيقي مجدداً”.

كان بشار في سوريا أستاذاً يدرّس طب الأسنان في جامعة حلب. وكانت ليالي تهتم بالمنزل والأطفال.
وفي العام الماضي، اجتاح القتال بلدتهم في محافظة حلب في شمال سوريا. أقامت المجموعات المسلحة نقاط تفتيش في كافة أرجاء المنطقة. ظلت إنصاف ورياض يذهبان إلى المدرسة، وبشار يزاول التدريس، حتى عندما اشتد القصف. أبقتهم في سوريا الضائقة المالية والرغبة بالحفاظ على الأسرة مجموعة. فرّ الجيران تباعاً.

وفي نوفمبر، اخترقت قذيقة سقف غرفة الجلوس حيث اجتمعت العائلة. أصابت الشظايا بشار، وفقد رياض الوعي من شدة الصدمة. نُقلا إلى المستشفى حيث عالجهما الأطباء وقطبوا جبين بشار. كان بشار لا يزال في المستشفى عندما قرر وليالي أن الأخيرة ورياض سيغادران إلى أوروبا. مثل العديد من الأسر التي تفر من الحرب والصراع، لا يمكنهم المغادرة معاً وواجهتهم معضلة مدمرة: من يرحل أولاً، ومن يبقى؟

جمعوا خلال أيام أكثر من 3000 يورو من الأقارب والأصدقاء للمهربين.
تقول إنصاف: “قلتُ لأمي: ‘إن شاء الله، سنوافيكم بأمان‘ وبأنني أحبها،” وذلك في اليوم الأخير لأفراد العائلة معاً في المنزل، قبل أن تغادر والدتها وشقيقها.

قطعت ليالي ورياض نقاط تفتيش كثيرة للخروج من سوريا، وعبور الحدود التركية، وصولاً إلى ركوب زورق إلى اليونان ثم حلّت المأساة.

غرق القارب الذي حمل ليالي ورياض قبالة جزيرة كوس اليونانية، بينما كانوا يعبرون بحر إيجه. وتقول ليالي: “هربنا من الحرب والخوف والموت، لنواجه الموت مجدداً. كانت رحلة شاقة، لكنها لا تزال أفضل من البقاء في بلدي”.

أنقذهما خفر السواحل اليوناني. وبعد أن تعافيا، أكملا رحلتهما الصعبة عن طريق البلقان، سيراً على الأقدام في غالبية الوقت، وأحياناً بركوب القطار. وصلت ليالي ورياض إلى ألمانيا في منتصف ديسمبر.

وفي مارس، وبعد أن استعاد بشار عافيته، انطلق وإنصاف من سوريا، على الرغم من الأخطار المعروفة آملين الانضمام إلى ليالي ورياض.

قد تكون الأسرة حالياً تعيش في القارة نفسها، لكنّ حياة أفرادها اليومية في مختلفة جداً.

وفي تالهايم التي يقطنها حوالي 6,600 شخص، تعيش ليالي ورياض في شقة صغيرة. أصحابها، عائلة ألمانية تتلقى الدعم المالي من الحكومة لاستضافة اللاجئين، تعيش في الطابق العلوي.

وُسمت الأدوات المنزلية بأسمائها الألمانية لمساعدة ليالي ورياض على اكتساب المفردات وهما يحضران دورات اللغة الألمانية ويتمرسان غالباً بالتحدث مع أفراد العائلة المضيفة.

 وأحياناً، على فيسبوك، تنشر ليالي صور ولديها جنباً إلى جنب. وكتبت مؤخراً: “آمل أن يجمعنا الله قريباً.”

في تلك الأثناء، في ليروس، حيث يقيم حالياً حوالي 700 لاجئ ومهاجر، تعيش إنصاف وبشار مع حوالي 100 آخرين في بيكبا، وهو مستشفى سابق قرب ميناء لاكي. يدير المتطوعون، مع شبكة تضامن ليسبوس، بيكبا، بدعم من السلطات اليونانية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

تنام إنصاف وبشار في سرير بطابقين في غرفة مشتركة مع ثلاث عائلات أُخرى. وتحضر إنصاف دروساً في اللغة الإنكليزية، مجاناً، ثلاثة أيام في الأسبوع وتحلم بأن تصبح طبيبة أطفال، في أحد الأيام، لتتمكن من مساعدة الناس، كما تقول.

وتمتلئ مستشفى بيبكا بأفراد من أسر منفصلة، معظمهم من النساء والأطفال الذين يحاولون الوصول إلى الأزواج والآباء في أماكن أُخرى في أوروبا. بشار وأنصاف هما الأب والابنة الوحيدان الموجودان هناك. وهنالك كذلك امرأة تبلغ 22 عاماً، اضطُر زوجها إلى الفرار من سوريا قبل ولادة ابنتهما بشهر. ولا تعرف الطفلة المبتسمة والدها إلا من خلال الوتساب.

وعلى الرغم من أن إنصاف وبشار يقيمان في الاتحاد الأوروبي، إلا أن التأخيرات الإدارية في معالجة حالات دبلن قد تعني أن أشهراً ستمر قبل أن يُلم شمل إنصاف وبشار مع ليالي ورياض.

وتقول دافني كابيتاناكي، مساعدة شؤون الحماية في المفوضية في أثينا: “يُبقي لم شمل الأسر الأحباء معاً، ويضمن الحق في الحياة الأسرية. إنها فرصة تشتد الحاجة إليها للأب والأبنة والأم والأبن لرؤية بعضهم مرة أُخرى بعد الأحداث المدمرة. ولكنْ، يمكن أن تتم بشكل أفضل وأسرع، ويجب أن يحصل ذلك”.

وتضيف: “يجب إعطاء الأولوية لحالات لم شمل الأسر، وزيادة عدد المسؤولين الذين يتولون معالجتها. أفضل وسيلة للناس لبدء حياتهم الجديدة هي أن لا يكونوا منفصلين، بل مجموعين، كأسرة”.

“أفضل وسيلة للناس لبدء حياتهم الجديدة هي أن لا يكونوا منفصلين، بل مجموعين، كأسرة”

بدأ بعض اللاجئين في اليونان الذين يحاولون الوصول إلى أفراد أسرهم الموجودين في أوروبا، يفكرون بالمخاطرة واللجوء مجدداً إلى المهربين والرحلات السرية وربما الخطيرة نظراً إلى التأخير والحواجز العملية التي يواجهونها.

وقد دعت المفوضية منذ فترة طويلة إلى إجراءات سريعة وسلسة للمّ شمل الأسر لمنع المزيد من المعاناة للأسر التي سبقت وواجهت صعوبات كثيرة في طريقها إلى أوروبا وخلال إقامتها فيها. وهذا يعني الحاجة إلى تخصيص موارد إضافية، بما في ذلك موظفين إضافيين، وتحديد الأولويات من قِبل السلطات التي تتولى حالات لم شمل الأسر.

وعلاوة على ذلك، هنالك حاجة إلى مزيد من المسارات القانونية للوصول إلى أوروبا حتى لا يُضطر الناس إلى القيام برحلات محفوفة بالمخاطر على أيدي مهربين لا يعرفون الرحمة. إضافة إلى ذلك، يمكن للدول الأوروبية معالجة التحديات العملية العديدة التي تواجهها الأسر خارج أوروبا، التي تجعل عملية لم شمل الأسرة عملية طويلة، ومرهقة، وفي بعض الحالات شبه مستحيلة.
وتقول إنصاف: “آمل أن أكون مع أمي وأخي وأبي، وأن يكون لنا منزل في ألمانيا، وبإذن الله، أن نعود إلى سوريا يوماً ما إذا تحسن الوضع”.

ما هو تعليقك أنت؟
انشر الموضوع

مقالات ممكن أن تعجبك

اشترك بالنشرة الاخبارية